محمد ابو زهره

578

خاتم النبيين ( ص )

وأحياء متفرقة عقدا ملزما ، ولكن الحسد كان يسكن قلوبهم من أن الرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم الذي بعث كانوا يتمنون أن يكون من ولد إسحق لا من ولد إسماعيل ، وقد كانوا يعرفون أن نبيا سيبعث ، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به حسدا من عند أنفسهم ، وكلما استيقنوا أنه النبي المبشر به في التوراة ازدادوا ضيقا وغضبا وكفرا ، وكلما وجدوا آيات النبوة زادتهم طغيانا وضلالا ، وعتوا وفسادا في الأرض ، وكأنهم وحدهم سلالة قابيل الذي قتل أخاه ، لأنهما قربا قربانا فتقبل من أحدهما ، ولم يتقبل من الآخر ( قابيل ) . ولننقل شهادة أم المؤمنين صفية بنت حيى بن أخطب ، قالت رضى اللّه تبارك وتعالى عنها : عندما قدم رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم المدينة المنورة ، ونزل قباء في بنى عمرو بن عوف ، غدا عليه أبى حيى بن أخطب ، وعمى أبو ياسر بن أخطب مغلسين ( أي في غلس ) قلت لم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس ، فأتيا ساقطين يمشيان الهوينى ، قالت فهششت إليهما كما كنت أصنع ، فو اللّه ما التفت إلى واحد منهما ، مع ما بهما من الغم ، وسمعت عمى أبا ياسر ، وهو يقول لأبى حيى بن أخطب : أهو هو . . ؟ قال : نعم واللّه ، قال أتعرفه وتثبته ؟ قال : نعم ، قال ما في نفسك منه ؟ قال : عداوته واللّه ما بقيت . تلك شهادة صادقة من سيدة برة على أبيها ، فما جعلته الآية المثبتة لرسالة محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم مؤمنا مصدقا بل جعلته عدوا لجوجا في عداوته ، وذلك فعل الحسد الذي كان من قابيل على أخيه هابيل إذ تقبل منه الإيمان وحده ، واللّه تعالى يختص برحمته من يشاء . وحيى بن أخطب وأخوه صورة نفسية لكل يهودي ممن كان بجوار المسلمين بالمدينة المنورة ، وبهذه العداوة كانوا يتحركون ، وطويت قلوبهم على الضغينة المستكنة . فلما انتصر النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ازدادوا ضيقا ، وظنوا أن الدائرة من بعد ستدور عليهم ، فأرادوا بغريزة حب البقاء أن يعملوا عملا يظنون فيه بقاءهم ، لكيلا يجد المسلمون السبيل لإخراجهم ، واتحدوا مع المشركين ممن بقوا في المدينة المنورة ، وحملوا أولئك على أن يظهروا الإيمان ، ويخفوا الكفران إذ أو عزوا إليهم بخلقهم ، الذي اشتهروا به في ماضي أمرهم ونفذوه في حاضرهم . ولقد انضاف بذلك إلى اليهود بإغرائهم من كانوا قد بقوا على الوثنية من الأوس والخزرج ، وإن لم يكونوا الكثرة ، ولكنهم بما أظهروا من إيمان يبثون الوهن في قلوب المؤمنين ، ويلقون بأسباب الفشل وقد ظهرت رؤوسهم فيما ظهر بعد بدر من الغزوات .